السيد محمد الصدر

255

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وليست على وجه الأرض كلّها ، فالناس الموجودون هناك كانوا يشعرون أنَّهم لم يروا مثلها إطلاقاً في أجيالهم الحاضرة والسابقة . فعندما يُقال : لم يُخلق مثلها في البلاد ، يعني : من البلاد والمنطقة التي يراها ويشاهدها الناس ، وفي ذلك الزمان كانت وسائط النقل بين البلاد البعيدة شبه معدومةٍ ، فالبلاد عندهم هي البلاد المنظورة أو المعهودة ، فنفهم من الألف واللام الجنس ، لكن بالمقدار الذي يفهمه أهل اليمن والحجاز لا أكثر من ذلك . ولنتقدّم الآن خطوةً أُخرى في تفسير هذه الآية المباركة ، وهي أنَّ هذا السياق هو سياق مدحٍ ، وليس سياق قدحٍ أو ذمٍّ ، وإن كان المفسّرون لم يلتفتوا إلى هذه النقطة ، وهو يفتح لنا باب فهمٍ ذا درجةٍ باطنيةٍ ، وذلك بأن نقول : إنَّ قوله : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ بغضّ النظر عن المناقشات الآتية - أي : هذه الآية من حيث هي مستقلّةٌ - لا يدلّ على أنَّ الله فعل خيراً أو شرّاً ؛ إذ لا محدّد لذلك من داخل الآية ، وربما فعل خيراً بمقتضى أنَّ خيره أسبق من شرّه ورحمته سبقت غضبه ، كما مرّ غير مرّةٍ . مضافاً إلى أنَّ ( عاد ) في الحقيقة من العود ، وكلّ من يعود يصدق عليه أنَّه عاد ، وكأنَّما هو مصدرٌ صناعي أو اشتقاقي ، فمن عاد نسمّيه عاداً ، كما في قولنا ( أوّاب ) أي : كثير الأوب ، أو آبَ ، أي : يرجع ، أي : يذنب فيتوب ، ثُمَّ يتوب وهكذا ، بمعنى : أنَّه يبتعد عن الله ثُمَّ يقترب ، يبتعد ثُمَّ يعود ويقترب لمرّاتٍ كثيرةٍ ، يعود إلى الله بالتوبة والاستغفار والتكامل ، ليرحمه الله تعالى ويفيض عليه من رحمته الخاصّة والعامّة . هنا نسأل : مَن هو عاد ؟ وما هي صفته ؟ بالطبع سيُقال : إنَّه قال في الآية : إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . ولا بأس بذلك ؛ فإنَّ الشخص الذي يكون متكاملًا يكون فعلًا في